الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
10
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الله من قبلهم ، فالقرآن عبر عن هذا التقليد الأعمى بالعبادة . وهذا المعنى وارد في رواية عن الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) إذا قالا : " أما والله ما صاموا لهم ولا صلوا ، ولكنهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا ، فاتبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون " . ( 1 ) وفي حديث آخر ، أن عدي بن حاتم قال : وفدت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان في رقبتي صليب من الذهب ، فقال لي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا عدي ألق هذا الصنم عن رقبتك ، ففعلت ذلك ، ثم دنوت منه فسمعته يتلو الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا فلما أتم الآية قلت له : نحن لا نتخذ أئمتنا أربابا أبدا ، فقال : " ألم يحرموا حلال الله ويحلوا حرامه فتتبعوهم ؟ فقلت : بلى ، فقال : فهذه عبادتهم " . ( 2 ) والدليل على هذا الموضوع واضح ، لأن التقنين خاص بالله ، وليس لأحد سواه أن يحل أو يحرم للناس ، أو يجعل قانونا ، والشئ الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يفعله هو اكتشاف قوانين الله وتطبيقها على مصاديقها . فبناء على ذلك لو أقدم أحد على وضع قانون يخالف قانون الله ، وقبله إنسان آخر دون قيد أو اعتراض أو استفسار فقد عبد غير الله ، وهذا بنفسه نوع من أنواع الشرك العملي ، وبتعبير آخر : هو عبادة غير الله . ويظهر من القرائن أن اليهود والنصارى يرون مثل هذا الاختيار لزعمائهم ، بحيث لهم أن يغيروا ما يرونه صالحا بحسب نظرهم ، وما يزال بعض المسيحيين يطلب العفو من القسيس فيقول له القس ، عفوت عنك ! وكان - منذ زمن - موضوع صكوك الغفران رائجا . وهناك لطيفة أخرى ينبغي الالتفات إليها ، وهي أنه لما كانت عبادة المسيحيين لرهبانهم تختلف عن عبادة اليهود لأحبارهم ، فالمسيحيون يرون المسيح ابن الله
--> 1 - مجمع البيان ، ذيل الآية ونور الثقلين ، ج 2 ، ص 209 . 2 - مجمع البيان ، ذيل الآية .